الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
مقدمة الكتاب 5
الفردوس الأعلى
هؤلاء من الأعاظم ( قدس الله اسرارهم ) وفي حين الوقت الذي أحضر عند هؤلاء الأساتذة الاعلام كانت لي حوزة درس من الأفاضل المهاجرين لطلب العلم فكنت اكتب ما ألقاه من أساتذتي في الفقه وأصوله وأحرر ما ألقيه من الدروس على تلاميذي وفي هذه الآونة وأنا في وسط العقد الثالث الفت شرح العروة في مجلدين كبيرين لم يطبع شيء منها إلى الآن ومع استفراغ الوسع وبذل الجهود البليغة في علمي الفقه وأصوله والحديث والتفسير ونحوهما وصرف أكثر ساعات يومي وليلتي فيها أجد في فؤادي شعلة متوقدة وعطشى ملتهباً يحفزني إلى الانتهال والاشتعال بالعلوم الإلهية ، والمعارف العليا ، والحكمة المتعالية ، فكت أدرس في عين ذلك الوقت كتب صدر المتألهين قدس الله سره ( 1 ) من مختصراته كالمشاعر
--> ( 1 ) إشارة إلى الحالة الوضاءة التي كانت عليها جامعة النجف الأشرف في أوائل هذا القرن من بزوغ شموخ العلوم والمعارف والثقافة الدينية والثروة العلمية والمكانة الأدبية وسائر المزايا الفاضلة . فأن منذ تأسيس هذه الجامعة من زمن مؤسسها شيخ الطائفة وزعيم الشيعة الأكبر الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي النجفي المتوفي ( 460 ) ه إلى اليوم تشد إليها الرحال من البلدان والأقطار الإسلامية لأقتباس العلوم الدينية على اختلاف أنواعها وأصنافها عند أساتذتها الأكابر زعماء الدين وكبراء المذهب ، أجل تشد إليها الرحال ويكثر إلى ارض الغري الترحال ويطوف رواد العلم وطلاب الفضيلة حول ضريح أمير المؤمنين عليه السًلام ومن قال في حقه الرسول الأمين « ص » : ( أنا مدينة العلم وعلي بابها ) أنما المصطفى مدينة علم * وهو الباب من أتاه أتاها هاجر شيخ الأمامية من خراسان وقدم العراق سنة ( 408 ) ه وأقام في بغداد إلى سنة ( 448 ) ه واستقل بالإمامة للشيعة بعد وفاة أستاذه الشريف علم الهدى السيد المرتضى المتوفى ( 436 ) ه فاشتهر صيته في الآفاق وسطع نوره وعرف فضله وانقاد الكل لعظمته وازدلفت إليه العلماء والفضلاء من كل حدب للتلمذة والحضور تحت منبره واجتمع إليه المستفيدون من الأقطار وبلغت عدة تلامذته إلى ثلاثمائة من مجتهدي الفريقين حتى أن الخليفة العباسي ( القائم بأمر الله عبد الله بن القادر بالله احمد ) جعل له كرسي الكلام وما كان العباسيون يسمحون به يوم ذاك إلا لمن هو في الرعيل الأول والقمة العليا بين العلماء في علومه والمتفوق على نظرائه في الكلام فغلت الأضغان والأحقاد في قلوب الحساد واشتعلت نائرة الفتنة بين الفريقين وسارعوا في القضاء على الأخوة الإسلامية وأوردوا ضربتهم المنكرة عليها واحترقت من جرائها كتب الشيخ ( قده ) وداره في باب الكرخ وكرسي كان يدرس عليه للكلام . فهاجر شيخنا وقتئذ إلى النجف الأشرف - هذه الأرض المقدسة - وأسس هذه الجامعة واختارها للمركزية العلمية ، تحت لواء القبة العلوية ، فازدلفت إليه العلماء والأفاضل وهاجروا معه وأحاطوا به من كل جانب كالهالة على القمر وتقاطر إليه الفضلاء من كل صقع وناحية حتى برعوا بعلومه الجمة ، ونشروا ألوية العلم والدين في انحاء البسيطة بعده ، وأبى الله إلا أن يتم نوره . ولا يزال من ذلك الزمن الغابر هذه الأرض المقدسة محطاً لرحال رجال العلم ودار الهجرة رواده ولم يزل فيها على مر القرون إلى اليوم جمع من أكابر العلماء والفقهاء يتكفلون أمور شيعة أهل البيت عليهم السًلام في التقليد والفتوى وتربية طلاب العلوم الدينية ورواد الفضيلة ولذا نجد أكثر علماء الشيعة بل جلهم في الأقطار والأمصار من تلك القرون إلى اليوم من خريجي هذه المدرسة العلوية والمقتبسون علومهم ومعارفهم الدينية من هذه الجامعة المرتضوية فإنها كالجامعات والكليات الراقية بالإضافة إلى المدارس الابتدائية بين جميع المعاهد العلمية للشيعة وانتشرت منها إلى اليوم الملائين من المصنفات النفيسة والتصانيف الممتعة التي يعسر لنا بل لا يمكن لأحد إحصاءها وعدها على التحقيق ومنذ تأسيس هذه الجامعة لم تزل تزدهر وتموج بالفضائل في كل هذه العصور , ولها تأثير عالمي وأثر قوي يشمل الإنسانية ويحيط البشرية جمهاء ، بيد ان أوائل هذا القرن من العصور المشرقة التي حوت على بعض المزايا الخالدة والثمار اليانعة في هذه الجامعة يوم ناهز فيها عدد طلاب العلوم الدينية عشر آلاف نسمة واجتمع فيه جم غفير من فطاحل الفقهاء والمجتهدين ورؤساء الدين وكانت الحرية التامة في دراسة العلوم من معقولها ومنقولها والتوسع في اقتنائها وتحصيلها على أنواعها سائدة على تلك الجامعة ، وفتحت طرقات سهلة في التحليل والتحري العلمي وتنوير الأفكار في البحث والتنقيب النظري واجتمع فيها أيضاً جمع من أكابر الحكماء المتشرعين والعرفاء الشامخين والمربين للنفوس بالحكمة العملية والدراسة العلمية وبتخلقهم بأخلاق الله بخشيتهم في جنب الله بتحليهم بالفضائل الإنسانية وما كان من نياتهم إلا خدمة البشرية مع مراعاتها الطريقة المثلى والشرعة الوسطى في بحوثهم القيمة ودروسهم العالية ، وتجنبهم عن الجمود والوقوف عن تحصيل العلوم والرجوع إلى القهقري وممن رحل إلى هذه الجامعة وأقام مدة فيها من فحول ابطال العلوم العقلية والنقلية وأساتذتها الأفاخم هو العلامة الحكيم والفقيه الشهيد الشيخ محمد باقر الشيرازي الأصطهباناتي الفائز لدرجة الشهادة حينما وقع هدفاً للرصاص في حسينية ( قوام ) بشيراز سنة 1326 ه كان قدس سره مدرساً في المعقول والمنقول [ هامش ] وقفنا على تأريخ حياة هذا الفقيه الحكيم على نحو التحقيق والتفصيل وكيفية شهادته وخدماته الدينية وترويجه للشريعة وقيامه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحسن قيام بعد ان قفل عن النجف الأشرف إلى وطنه - في سفرنا إلى شيراز قبل عدة سنين وكتب لنا تأريخ شؤون حياته أيضاً نجله الجليل بخطه ونقلناه بطوله في بعض مجاميعنا وكان من تلامذته وخاصته بل صاحب أسراره حضرة سيدي الوالد الماجد المرحوم قدس الله روحه وسمعت أشعة من ترجمة حياته منه أيضاً [ / هامش ] ، وماهراً في تدريس الحكمة المتعالية على طريقة صدر المتألهين ( قده ) درس العلوم الفلسفية والمعارف الآلهية والأصول الكلامية عل تلاميذه الكثيرين متناً وخارجاً واجتمع للارتشاف من نمير حكمته جم غفير من الأعلام والزعماء الكبراء من عظماء العلوم والفضائل في طليعتهم شيخنا الإمام العلامة أدام الله ظلاله وأيامه كما ترشحت الإشارة به من قلمه الشريف في ذيل صفحة 33 ج 1 من كتابه القيم النفيس ( الدين والإسلام ) عند ذكره ترجمة موجزة لصدر المتألهين وصاحب الأسفار عن أستاذه الحكيم المنوّه باسمه الشريف . وأيضاً كان من مشاهير المدرسين للحكمة العالية في ذلك الوقت الشيخ العلامة الجامع لأنواع العلوم الحاج ميرزا فتح الله الشهير ب ( شيخ الشريعة ) الأصفهاني المتوفي سنة 1339 ه - الذي تقلّد الزعامة العامة والمرجعية في التقليد والفتوى مدة يسيرة في أواخر عمره الشريف - فإنه عند قدومه من إيران إلى العراق مجازاً من علماء أصفهان سنة 1295 ه كان مدرساً كبيراً في الحكمة والكلام والفلسفة العالية والمعارف الدينية وكان خصيصاً في تشييد عقائد الدين في قلوب المحصلين بالأدلة والبراهين بغية استعدادهم وتثقيفهم للقيام بالذب عن الدين كيد الأعداء والخصماء وشبهات الملحدين وأهل الضلال والأهواء ومدافعة الخصوم الواقفين في طريق السير والانتهاء إلى أهدافهم المقدسة وفي سبيل بث العقائد الإسلامية ، وكان قدس سره يدرس في المسجد الطوسي الواقع في جوار القبة العلوية ليلاً ونهاراً ويحضر بين يديه مئات من المشتغلين كما نقل لنا ذلك جمع من مشايخنا الأعلام وأساتذتنا العظام أدام الله بركاتهم وذكرنا أيام إقامتنا في بلدة ( قم ) أشعة من تأريخ حياته وفهرساً من تصانيفه الممتعة مع الإشارة إلى موضوعاتها في مقدمة كتابه ( إفاضة القدير في احكام العصير ) المطبوع ب ( قم ) سنة 1370 ه فراجع وأيضاً كان من الجهابذة في الحكمة والفلسفة ومن المدرسين في هذه الجامعة الشيخ العلاّمة الحكيم الشيخ احمد الشيرازي المتوفي 1332 ه الجامع بين المعقول والمنقول وهو أيضاً من أساتذة سماحة شيخنا العلاّمة أدام الله أيامه وله حاشية على كتاب الفصول في أصول الفقه ونسخة منها بخط تلميذه حضرة سيدي الوالد الماجد ( قده ) [ هامش ] انظر ترجمته في مجلة ( العرفان ) الأغر - ص 1197 - 1198 ج 10 مج 33 ط صيدا [ / هامش ] موجودة في مكتبتنا الشخصية ب ( تبريز ) فلو أردنا احصاء المدرسين والأساتذة الكبراء في المعقول والأخلاق والعرفان والحديث والرجال وعلوم القرآن في أوائل هذا القرن لطال بنا الكلام ، وأما الفقهاء والمجتهدين من أفذاذ الفقه وأصوله وحملة الشرع المقدس وقادته في فروعه وأحكامه في ذلك الوقت فهم كثيرون يعسر إحصاؤهم والإشارة إلى أساميهم الشريفة في المقام خاصة من تلامذة الشيخ الإمام الأنصاري رضوان الله عليه . = = وغير خفي على القارئ الكريم إني لا أريد بكلمتي هذه ان أحوم حول تأريخ النجف الأشرف وجامعتها ومزاياها وشؤونها الاجتماعية وتطورات أوضاعها التاريخية وآثارها العلمية الغابرة منها والحاضرة وأثرها العميق ووقعها العظيم وتأثيرها المعجب في العالم الإسلامي والمجتمع المذهبي وشرح آثارها الخالدة وثروتها العلمية ومكانتها السامية في قلوب المسلمين عموماً والشيعة خصوصاً ، فأن التجوال في هذا المجال يحتاج إلى تأليف كتاب مستقل وترصيف تصنيف منيف وإنما الغرض هو الإشارة بل الأشادة إلى الثقافة العالية والحضارة العلمية والنزعات الدينية والرغبات الأدبية والتوسع في نطاقها والاهتمام في شؤونها في هذه الجامعة مضافاً إلى مركزيتها للفقاهة والاجتهاد وسائر العلوم الدينية الموجودة أشعة لمعانها إلى اليوم ببركة اعلام الشيعة وعظمائها ومراجع الأمامية وزعمائها وأفذاذ الأمة ورؤسائها الإفصاح بأن اللازم على كل مسلم وشيعي حي غيور الحافظ على كيانه السامي العناية التامة لحفاظة هذه الجامعة الكبرى ولفت أنظارهم إليها فأن في تقويتها قوة للمذهب وفي تشييدها ترويج للدين وفي الاهتمام بها قمع للباطل وذلك غير خفي على من له المام بهذا الموضوع واهتمام بهذا المشروع المقدّس ان كان ممن رزقه الله تعالى فهم ما هو الصالح لعالم التشيّع وحماية حوزة الدين وممن يقدم المصالح العامة والمنافع الاجتماعية على المنافع الشخصية والأغراض الفردية ، وليعلموا اخواننا بالقطع واليقين ان من نيات أعداء الدين وخصماء المذهب من الأمم الأجنبية ومن مكايدهم الممقوتة ، هدم أساس هذه الجامعة ومحوها وإبادة مجدها وعظمتها وحطها عن مقامها الشامخ في عالم التشيّع ونسف حضارتها العلمية ونزعاتها الدينية ، ولهم السعي البليغ في تهيئة أسباب ضعفها وسقوطها واضمحلالها وارجاع الناس إلى غيرها وترغيبهم إلى سواها في أمر التقليد والفتوى ، وتحكيم الجمود على افراده وسوقهم إلى نبذ أغلب العلوم إلى ورائهم ظهريا ، والاكتفاء لبعض العلوم التي لا يكفي في قلع أساس الأباطيل والأضاليل وقمع جرثومة الزندقة والإلحاد ، كما فعلوا ذلك كله بالنسبة إليها بعد أوائل هذا القرن ، وشاهدنا ذلك في هذه السنين الأخيرة وفي أثر ذلك توقف جمع من الأساتذة في هذه الجامعة عن دراسة بعض العلوم ، وصار هذه الأمر من الجنايات التي لا يسدها شيء إلا التيقظ أو سد هذه الثلمة بالحربة التامة في تحصيل العلوم بشتى أنواعها . نسأل الله تعالى ان يوفق أهل الأيمان والعقيدة الراسخة لحفاظة هذه الجامعة وتشييدها وتأييدها وتقوية هذا الهدف الأسمى والغرض الأقصى ورزقهم التيقظ عن رقدة الغفلة والاهتمام بمستوى الأمة والقيام تجاه واجبهم الديني وفرضهم المذهبي وان يوفقهم لنبذ المصالح الشخصية والأقبال على المعاضدة للأمور الاجتماعية والدينية وتوحيد الجهود والتخلص عن كل غرض ممقوت والله الموفق . 18 - 9 - 1371 ه القاضي الطباطبائي